صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
31
تفسير القرآن الكريم
تحيّر الناظرين فيها ، والقرآن نازل لهداية العباد وتعليمهم وتسهيل الأمر عليهم مهما أمكن لا للتعقيد والإشكال ، فيجب أن يكون اللغات محمولة على معانيها الوضعية المشهورة بين الناس ، لئلا يوجب عليهم الالتباس . كشف إلهامي قد من اللّه علينا في تحقيق هذه الآية ونظائرها بما يشفي العليل ويروي الغليل من غير حاجة إلى صرف اللفظ عن مفهومه الظاهر ، وهو يستدعى تمهيد مقدمات : أولاها : ان الأمور الصادرة عن الحق أقسام : أولها ما لا يحتاج في وجوده وتعقّله إلى قابل وحركة وزمان ، ومنها ما يحتاج إليها في وجوده لا في تعقله ، ومنها ما يحتاج إليها في الوجودين ، فالأول كالعقول ، التي هي ضرب من ملائكة اللّه ، ويقال لأمثاله الأمور الإلهية ، والثاني كالعدد والمقادير ، ويقال لها الرياضيات ، والثالث كأشخاص الأجسام الطبيعية وغيرها ، ويقال لها الطبيعيات . وثانيها : إن لوجود كل من هذه الموجودات عالما آخر ، فالدنيا للأمور الطبيعية ، وهي عالم الشهادة وعالم الحسّ ، والآخرة للأمور المقدارية من غير مادة ، ويقال لها : عالم الغيب وعالم الجزاء ، وما هو فوقهما للأمور الربانية ، ولكل من هذه الموجودات مشعر آخر للإنسان ، فبالحس يدرك الدنيا وما فيها ، وبالخاطر والعقل يدرك الأمور الأخروية ، وبالروح والعقل النظري يدرك الأمور الإلهية . وثالثها : إن الشيء قد يكون بحسب حقيقته وماهيته من الأمور العقلية ، وبحسب تشخصه من الأمور المفتقرة إلى المادة وانفعالها ، كالجواهر الصورية التي تقوّم المادة وعوارضها بحسب سنخ تجوهرها ، واما بحسب تعيّنها الخاص وعوارض تعينها فهي مما تقوّمها المادة وانفعالاتها . ورابعها : ان الأفلاك وما فيها يفتقر إلى المادة وعوارضها الانفعالية في التشكل